الصالحي الشامي
288
سبل الهدى والرشاد
الغضب فلم يطابق أن لو ختم بما يصرح بالعذاب والغضب فجاءوا بما يدل على المراد على سبيل الكنابة . وقولهم : ( محمد فرق بين الناس ) كالتذييل للكلام السابق ، لأنه مشتمل على معناه ومؤكد له في حضور الملائكة ورجع بعض الكلام على بعض ، تمثيلهم ذلك ووضعهم المظهر موضع المضمر في مواضع من الحديث ، وتكرير الألفاظ مرة بعد أخرى ، وفي تقديم المجمل ممثلا به وتأويله ، دلالة إلى الإرشاد التام وإزاحة للعلل وإيقاظ للسامعين من رقدة الغفلة وسنة الجهالة ، وحث لهم على الاعتصام بكتاب والسنة والإعراض عما يخالفهما من البدعة والضلالة . المأدبة : قال ابن خطيب الدهشة في تقريبه بالفتح الضم : الطعام يدعى إليه ناس . أولوها : أي فسروا الحكاية أو التمثيل بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ، من أول تأويلا إذا فسر بما يؤول إليه الشئ ، والتأويل في اصطلاح العلماء : تفسير اللفظ بما يحتمله احتمالا غير بين . فرق : روى بالتشديد أي على صيغة الفعل وبالسكون على المصدر وصف به للمبالغة كالعدل ، أي هو الفارق بين المؤمن والكافر والصالح والفاسق ، إذ به تميزت الأعمال والعمال . الرابع : في بعض فوائد الحديث الرابع : قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( مثلي ) أي في دعاء الناس إلى الإسلام المنقذ لهم من النار ومثل ما تزين لهم أنفسهم من التمادي على الباطل ( كمثل رجل ) إلى آخره والمراد تفسير الجملة بالجملة ، لا تمثيل فرد بفرد . قال النووي : مقصود الحديث أنه صلى الله عليه وآله وسلم شبه تساقط الجاهلين والمخالفين بمعاصيهم وشهواتهم في نار الآخرة وحرصهم على الوقوع في ذلك ومنعه إياهم ، والجامع بينهما اتباع الهوى وضعف التمييز وحرص كل من الطائفتين على هلاك نفسه . وقال القاضي أبو بكر بن العربي : هذا مثل كثير المعاني ، والمقصود أن الخلق لا يأتون ما يجرهم إلى النار على قصد الهلكة ، وإنما يأتونه على قصد المنفعة واتباع الشهوة ، كما أن الفراش يقتحم النار لا ليهلك فيها بل لما يعجبه من الضياء ، وقد قيل إنها لا تبصر بحال وهو بعيد . وإنما قيل إنها تكون في ظلمة فإذا رأت الضياء اعتقدت أنه كوة يستظهر منها النور فتقصده لأجل ذلك فتحترق وهي لا تشعر ، وقيل إن ذلك لضعف بصرها فتظن أنها في بيت مظلم وأن السراج كوة فترمي نفسها إليها وهي من شدة طيرانها تجاوزة فتقع في الظلمة فترجع فتحترق .